علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
149
ثمرات الأوراق
قال : فلمّا سمع عين أهله ما خاطبته به العجوز ، قال لها : صدقت فيما نطقت ، ولقد تأدّبتني فتأدّبت ، ثم أعلمها بخبره ، ثم رغّبها في أن تمنّ عليه بالخلاص كما فعل الخنزير بالفرس ، فقالت العجوز : الّذي سألتني لا يمكنني فعله الآن [ فاصبر ] 5 ؛ ولعلّي أجد لك فرجا أو مخرجا [ عن قريب ] 5 ؛ فعليك بالصّبر . وأمسكت العجوز عن مخاطبته . فلمّا انتهى الوزير في حديثه إلى هذه الغاية أقبل المطران وقال : إنّي أحسّ في أعضائي فتورا وفي رأسي صداعا ، ولم أقدر اللّيلة على إتمام الحديث ، ولعلّي أكون اللّيلة القابلة نشيطا إلى ذلك ، ونهض إلى مضجعه فجعل سابور يتأمّل حديث الوزير ، ويتأمّل الأمثال الّتي ضربها له ، ودسّها في المسامرة ، ففهم أنّ الوزير كنّى عن سابور بعين أهله ، وكنّى عن مملكته بسيّدة النّار [ لأنهم يعبدون النار ] « 1 » ، وكنّى عن بلاد الرّوم بسيّدة الذّهب ، وكنّى عن قيصر بالذّئب الّذي ذكر أنه بعل سيّدة الذّهب ، وكنّى عن طموح نفس سابور إلى مملكة الرّوم بطموح نفس عين أهله إلى رؤية سيّدة الذهب ، وكنّى عن أخذ قيصر له بقبض الذّئب على عين أهله ، وكنّى عن نفسه وحاله وعجزه بالعجوز القطعاء ، وعرّفه أنّه لا يمكنه تخليصه في هذا الوقت ، كما قررت العجوز لعين أهله ، وأنه شارع في خلاصه . فاستروح سابور ريح الفرج ، فسكنت نفسه ، ووثق بوزيره . فلمّا كانت اللّيلة القابلة وتعشّى المطران ، وأخذ مقعده للمسامرة ، قال للوزير : أيّها الحكيم الرّاهب ، أخبرني ما كان من أمر عين أهله ، وهل خلّصته العجوز من وثاق الذّئب أم لا ؟ فقال الوزير : سمعا وطاعة ، فشرع في حديثه ، وقال : إنّ عين أهله أقام على حالته عدّة أيّام ، وكلّ يوم يدخل عليه الذّئب ويهدّده بالقتل ، ويزيده قيدا . ثمّ إنّ العجوز جاءته في بعض اللّيالي ، وأضرمت لها بالقرب منه نارا ، وجلست « 2 » تصطلي ، ثم أقبلت على عين أهله ، وقالت له : ساعدني على خلاصك بالصّبر ، فقال لها عين أهله : هان على الطّليق ما لقي الأسير ! فقالت العجوز : حداثة سنّك قصّرت فهمك عن إدراك الحقائق ، أفتسمع حديثا لك فيه سلوة ؟ قال : نعم . فقالت العجوز : ذكروا أن بعض التّجار كان له ولد ، وكان مشغوفا به ، فأتحفه بعض معارفه بخشف « 3 » غزال ، فعلق قلب الصّبيّ بذلك الخشف الصّغير ، فكان لا يفارقه ، وجعلوا في جيده حليّا نفيسا ، وربطوا له شاة ترضعه حتّى اشتدّ ، ونجم قرناه ؛ فأعجبه
--> ( 1 ) تكملة من ب . ( 2 ) ب : « وجعلت » . ( 3 ) الخشف : ولد الظبي أول ما يولد ؛ أول مشيه .